يُروى في التراث الصيني القديم أن رجلاً يُدعى يوي بوي كان عازفًا بارعًا على آلة الـ«تشين»، وكان إذا عزف أخرج من أوتارها ما يختبئ في أعماق نفسه من مشاعر وأفكار.
وفي يوم من الأيام، جلس يعزف في الغابة، وكان بين الحاضرين رجل يُدعى تسي تشي. وما إن انتهى يوي بوي من عزفه حتى قال له تسي تشي:
«لقد سمعتُ في عزفك جبالًا شامخة، وأنهارًا جارية، وسمعتُ قلبك وهو يتحدث.»
تعجب يوي بوي، فقد كان الناس يسمعون النغم، أما هذا الرجل فقد سمع ما وراء النغم.
ومنذ ذلك اليوم نشأت بينهما صداقة عميقة، حتى صار يوي بوي يقول:
«من عرف صوتي عرف قلبي.»
ومرت السنوات، ثم مات تسي تشي.
عاد يوي بوي إلى المكان الذي كانا يلتقيان فيه، وأمسك بآلة الـ«تشين»، لكنه لم يستطع أن يعزف.
قال :«لقد مات من كان يفهمني، ولمن أعزف بعد اليوم؟»
ثم قطع أوتار آلته، وأقسم ألا يعزف مرة أخرى.
لم يكن حزنه على فقدان رجل يصاحبه فحسب، بل كان حزنه على فقدان الإنسان الوحيد الذي كان يفهم ما لا تستطيع الكلمات أن تقوله.
ومن هذه الحكاية بقي في التراث الصيني مثل شهير:
«الصديق الحقيقي هو من يفهم قلبك، حتى قبل أن تتكلم.»
ولذلك فإن الصداقة في أعمق معانيها ليست كثرة اللقاء، ولا طول الصحبة، ولا كثرة الكلام؛ وإنما أن تجد إنسانًا يرى ما وراء كلماتك، ويفهم صمتك، ويحفظ ودك في غيابك، ويبقى وفيًّا لك حين تتغير الأيام.
فليس كل من جلس إلى جوارك صديقًا، وليس كل من أكثر الحديث عن الوفاء وفيًّا؛ وإنما الصديق من عرفك في ضعفك، وفهمك في صمتك، وثبت معك حين مال الآخرون.
وما أجمل أن يجد الإنسان في رحلة عمره قلبًا يقول له، دون حاجة إلى كثير من الكلام:
«لقد فهمتك.»