بعض الرجال لا تُقاس مسيرتهم بعدد سنوات الخدمة، ولا بالمناصب التي تقلدوها، وإنما بالأثر الذي تركوه في نفوس الناس. والأستاذ القدير محمد يحيى عامري واحد من أولئك الذين اختاروا أن تكون الإنسانية عنوانًا لمسيرتهم، والوفاء منهجًا في تعاملهم، والعطاء رسالة لا تنتهي بانتهاء الوظيفة.
بعد أكثر من ثلاثة عقود قضاها في ميادين التربية والتعليم والإدارة، ترجّل الأستاذ محمد يحيى عامري عن ميدان العمل، بعد مسيرة حافلة بالعطاء، كان خلالها مديرًا لمعهد إعداد المعلمين بصبيا سابقًا، وتقلّد إدارة عدد من المدارس في صبيا، وقدم نموذجًا مميزًا للإداري المخضرم والمربي الواعي والقائد الذي يعرف أن التعليم قبل أن يكون مهنة، هو رسالة ومسؤولية.
حين يُذكر الأستاذ محمد يحيى عامري، لا يتبادر إلى الذهن المنصب وحده، ولا سنوات العمل والإدارة، بل تحضر قبل ذلك كله إنسانيته.
فقد كان الإنسان في شخصيته مقدمًا على كل شيء.
كان يرى في الطالب أكثر من رقم في سجل المدرسة، وأكثر من اسم في قائمة الصفوف؛ كان يراه ابنًا يحتاج إلى التوجيه، والاحتواء، والكلمة الطيبة.
ولهذا كان قريبًا من طلابه، أبًا حنونًا وصديقًا وفيًا، يفتح قلبه قبل مكتبه، ويمنح من حوله شعورًا بأنهم أمام إنسان يمكن الوثوق به واللجوء إليه.
وهذه الصفات لا تُكتسب بالمنصب، ولا تُدرّس في الكتب، وإنما تنبع من شخصية تؤمن بأن أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان خلفه هو أثر طيب في قلوب الآخرين.
في عالم الإدارة، قد ينجح المسؤول في إدارة العمل، لكن القائد الحقيقي هو من ينجح في إدارة الإنسان قبل العمل.
وهنا كانت إحدى أبرز سمات الأستاذ محمد يحيى عامري.
فخلال إدارته لعدد من المدارس، ثم توليه إدارة معهد إعداد المعلمين بصبيا، جمع بين الخبرة الإدارية والروح التربوية، وكان حريصًا على أن تكون المؤسسة التعليمية مكانًا للانضباط والإنجاز، وفي الوقت نفسه بيئة يسودها الاحترام والتقدير والعلاقات الإنسانية.
لقد أدرك أن المدرسة الناجحة لا تُبنى بالأنظمة وحدها، وإنما تُبنى بالثقة، وأن المدير الناجح ليس من يفرض حضوره بالخوف، بل من يترك حضوره بالمحبة والاحترام.
أكثر من ثلاثين عامًا ليست مجرد رقم في سجل وظيفي؛ إنها عمر كامل من التجارب والمواقف والذكريات.
ثلاثة عقود شهد خلالها التعليم تغيرات كثيرة، وتعاقبت أجيال من الطلاب والمعلمين والإداريين، بينما ظل الأستاذ محمد يحيى عامري حاضرًا في المشهد، يؤدي رسالته ويواصل عطاؤه.
وفي نهاية هذه الرحلة، لم يخرج من الميدان خالي الوفاض، بل حمل معه إرثًا من الذكريات، وحصيلة من المواقف، ومحبة عدد كبير ممن عرفوه وعملوا معه أو تعلموا على يديه.
وهذا هو النجاح الذي لا يُكتب في الملفات الرسمية، لكنه يُكتب في ذاكرة الناس.
ومن الجوانب اللافتة في شخصية الأستاذ محمد يحيى عامري، حضوره في المشهد الاجتماعي في صبيا، واهتمامه بتوثيق المناسبات والفعاليات الاجتماعية.
فقد كان حاضرًا في الأفراح والاحتفالات والمناسبات المختلفة، وكذلك في مناسبات التكريم والتقاعد، يوثق اللحظات ويحفظ الصور والوجوه والتفاصيل.
وبمرور السنوات، أصبحت تلك الصور والتوثيقات أكثر من مجرد ذكريات شخصية؛ إنها جزء من الذاكرة الاجتماعية لمدينة صبيا.
فالصورة التي تُلتقط اليوم قد تبدو لحظة عابرة، لكنها بعد سنوات تتحول إلى وثيقة تستعيد بها الأجيال ملامح زمن مضى، ووجوه رجال ونساء كانوا جزءًا من قصة المكان.
ومن هنا يمكن القول إن الأستاذ محمد يحيى عامري لم يكن حاضرًا في التعليم فقط، بل كان حاضرًا في ذاكرة المجتمع أيضًا.
وحين جاء موعد التقاعد، ترجّل الأستاذ محمد يحيى عامري عن ميدان العمل بعد رحلة طويلة من العطاء.
ترجّل، لكنه لم يغادر.
فثمة فرق كبير بين أن يغادر الإنسان مكان عمله، وبين أن يغادر ذاكرة الناس.
الأول يحدث بمجرد انتهاء الخدمة، أما الثاني فلا يحدث إلا إذا انتهى الأثر.
والأستاذ محمد يحيى عامري ترك أثرًا أكبر من أن تنهيه ورقة تقاعد.
ستظل ذكراه في نفوس طلابه، وفي أحاديث زملائه، وفي ذاكرة المدارس التي أدارها، وفي صفحات معهد إعداد المعلمين، وفي الصور التي وثقت مناسبات صبيا وأهلها.
لقد حطّ الرحال بعد مسيرة طويلة، وأصبح من حقه أن يستريح بعد أن أدى رسالته، لكن قصته ستبقى تُروى من جيل إلى جيل.
التعليم الحقيقي لا يصنعه المنهج وحده، ولا المبنى، ولا الأنظمة.
التعليم يصنعه المعلم الذي يؤمن برسالته، والقائد الذي يحترم الإنسان، والمربي الذي يعرف أن وراء كل طالب قصة وحلمًا ومستقبلًا.
ومن هذه الزاوية، تأتي قيمة تجربة الأستاذ محمد يحيى عامري.
لقد كان نموذجًا لرجل تربوي لم يسمح للمنصب أن يحجب الإنسان بداخله، ولم تجعل المسؤولية الإدارية بينه وبين طلابه وزملائه مسافة من الجفاء.
كان قريبًا، حاضرًا، متفاعلًا، ومحبًا للناس.
لكل مدينة رجال ارتبطت أسماؤهم بتاريخها الاجتماعي والتعليمي، وحين تُفتح صفحات الذاكرة في صبيا، سيظهر اسم الأستاذ محمد يحيى عامري ضمن أولئك الذين تركوا بصمتهم في مرحلة مهمة من تاريخ التعليم والمجتمع.
لم يكن مجرد موظف أدى ساعات عمله ثم انصرف.
كان صاحب رسالة، وصاحب حضور، وصاحب ذاكرة.
وكان عطاؤه صفحة مضيئة في سجل التعليم والمجتمع، لأن أجمل العطاء هو ذلك الذي لا ينتظر مقابلًا، وأجمل الوفاء هو الذي يبقى حتى بعد انتهاء المسؤولية.
أستاذنا القدير محمد يحيى عامري..
قد تتغير المسميات، وتنتهي المناصب، وتُطوى صفحات الخدمة، لكن هناك أشياء لا يستطيع التقاعد أن يطويها: المحبة، والوفاء، والذكريات، والأثر.
ثلاثة عقود وأكثر من العطاء ليست مجرد سنوات مضت، بل أجيال صنعتها يد المربي، وذكريات صنعتها مواقف الإنسان.
كنت معلمًا، وإداريًا، وقائدًا، وموثقًا للحظة، لكنك قبل ذلك كله كنت إنسانًا.
وهذه هي الصفة التي ستبقى.
ترجّل الفارس بعد مسيرة حافلة، وحطّ الرحال، تاركًا خلفه إرثًا من المحبة والذكريات، وكأن سيرته تقول لنا إن الإنسان قد يغادر المكان، لكنه لا يغادر القلوب التي أحبته.
وفي صبيا، حيث تسكن الذاكرة ويكتب التاريخ، سيبقى اسم محمد يحيى عامري شاهدًا على زمنٍ كان فيه التعليم رسالة، والإدارة مسؤولية، والإنسانية قبل كل شيء.